
شارك
في أطراف قرية “وادي الركاب” المنعزلة بين جبال الصعيد، كان هناك بيت قديم مبني بالطين والأجر الأسود يُعرف بـ “بيت ابن نوح”. لم يجرؤ أحد على الاقتراب منه منذ أربعين عاماً، بعدما اختفت عائلة بأكملها داخل أسواره في ليلة واحدة دون أن يُعثر لهم على أثر، وتُرِك البيت معلقاً في الزمن، ينهش الرطوبة وتلتفه الخرافات.
كان “خالد” يعمل مساحاً أراضياً لدى هيئة المساحة، وصدر قرار رسمي بتقييم الأراضي المحيطة بالقرية لشق طريق سريع. كان خالد رجلاً عقلانياً لا يؤمن بالقصص الشعبية، لكنه كان يمر بأزمة مالية خانقة تجعله يستعجل إتمام المهمة لتقاضي مكافئته. حين رفض جميع عمال القرية مرافقته لمعاينة أرض البيت، قرر الدخول بمفرده في ساعة المئذنة الأخيرة قبل غروب الشمس، يحمل كشافاً قوياً وحقيبة أدواته.
عندما دفع الباب الخشبي الثقيل، انبعثت رائحة غريبة—ليست رائحة العفن المعتادة، بل رائحة كبريت محترق مع زيت زيتون قديم. كانت الغرف الصفلية خاوية إلا من طبقات كثيفة من الغبار، لكن عند هبوطه إلى “القب”—وهو سرداب أرضي استخدمه السكّان القدامى لتخزين الحبوب—لاحظ شيئاً أثار دهشته: الجدران لم تكن مبنية بالطين، بل كانت مكسوة بلواح من الحديد الصدئ المربوط بمسامير ضخمة، وكأن السرداب بُني ليكتم شيئاً بالداخل، أو ليمنع شيئاً من الخروج.
في منتصف السرداب، وجد خزانة حديدية مغلقة بقفل نحاسي قديم. بدافع الفضول والرغبة في إنهاء التوثيق، استخدم خالد عتلة حديدية من أدواته وكسر القفل. لم يجد مالاً ولا وثائق أراضٍ؛ بل وجد مرآة دائرية ذات إطار أسود داكن، ودفتر مذكرات يدوي كتبه صاحب البيت الأخير “إدريس بن نوح” عام 1984.
فتح خالد الدفتر تحت ضوء الكشاف الفاقع، وقرأ السطور الأخيرة المتعرجة التي كُتبت ببدائية واضحة:
“المرآة لا تعكس الأشكال.. المرآة تسحب الأنفاس. إذا سمعت صوت الخطوات داخل الجدار، فلا تنظر إلى سطحها، وإذا أغلقت الباب عليك، فلن يفتحه إلا من بالداخل.”
في تلك اللحظة بالذات، انطفت لمبة الكشاف فجأة.
حل ظلام دامس وثقيل، كأن الهواء نفسه أصبح أسمك وأصعب في التنفس. ساد صمت مريب لدقيقة، قبل أن يصله صوت حركة خفيفة من خلف اللواح الحديدية للجدار. لم يكن صوت جرذان، بل كان صوت أظافر بشرية تحك الحديد ببطء شديد وبإيقاع منتظم، يترافق مع صوت أنفاس متقطعة ومبتلة تصدر من المنتصف تماماً.
تخبط خالد في الظلام يحاول الوصول إلى سلم الخروج، لكن عندما لمست يده المقبض الخشبي للسلم، وجد الباب العلوي قد أُغلق بقوة وسُمع صوت كسر المزلاج الخارجي. ضرب الباب بجسده مراراً وهو يصرخ، لكن الصوت كان يبتلعه السرداب دون أن يصل لخارج البيت.
أضاء خالد شاشة هاتفه المحمول برعشة تستولي على أطرافه. كشفت الشاشة الضئيلة عن مفاجأة مرعبة: الإشارة معدومة تماماً، وساعة الهاتف تشير إلى الساعة “00:00” وتتوقف عن الحركة.
عندما أدار ضوء الهاتف نحو الأسفل، وجد المرآة الدائرية الملقاة على الأرض لم تعد تعكس سقف السرداب ولا وجهه؛ بل كانت تعكس الغرفة نفسها ولكن وهي مضاءة بدموع شمع أبيض، ويقف فيها رجل ناهز الثمانين، يرتدي جلباباً متمزقاً، وظهره متجهاً نحو الشاشة.
بدأ الرجل في المرآة يستدير ببطء شديد.
شعر خالد برودة تجمد الدماء في أوردته. حاول إغلاق عينيه أو الالتفات، لكن شللاً ناظماً أصاب أطرافه. السطح الزجاجي للمرآة بدأ يحدث تشققات صغيرة متتالية، ومع كل تشقق، كان صوت الحك على الجدران الحديدية يزداد حدة وقرباً، حتى بدا وكأنه يصدر من مسافة سنتيمترات قليلة خلف رأسه مباشرة.
فجأة، انبعث صوت همس واضح في أذنه اليسرى، صوت جاف كالأوراق اليابسة: “لقد فتحت القفل.. والآن يجب أن تأخذ مكاننا.”
بجهد أخير انطلقت من حنجرته صرخة مكتومة، وضغط بقدمه بكل قوته على سطح المرآة ليهشمها تماماً. تحطمت المرآة إلى مئات الشظايا الصغرى، ومع صوت انكسار الزجاج، انفتحت بوابة السرداب العلوية بسعة تدفق منها هواء الليل البارد.
هرول خالد إلى الخارج لا يلوي على شيء، ترك سيارته وأدواته، وظل يركض في الظلام حتى وصل إلى مشارف القرية واستغاث بالأهالي.
في الصباح التالي، عادت الشرطة مع خالد إلى البيت لمعاينة الموقع. كان السرداب مفتوحاً، والعتلة ملقاة على الأرض، لكن الخزانة الحديدية كانت مغلقة تماماً بقفل نحاسي سليم لا يحمل أي أثر للكسر.
عندما نظر خالد إلى انعكاس وجهه في زجاج سيارة الدورية، لاحظ شيئاً جعل قلبه يتوقف عن النبض: حدقة عينه اليسرى لم تعد سوداء، بل أصبحت تحمل شقاً طولياً صغيراً تشبه تماماً التشققات التي كانت على سطح المرآة قبل ثوانٍ من تحطمها.
في لحظة وصول خالد إلى قسم الشرطة بالمدينة المجاورة لإعداد بلاغ رسمي، رفض المعاينون تصديق روايته واعتبارها حالة هلع ناتجة عن انخفاض السكر أو تسرب غازات سامة من السرداب. أُغلق الملف رسمياً باعتباره حادث تلفيات بسيط، واستلم خالد متعلقاته وغادر.
لكن الكابوس لم ينتهِ عند عتبة البيت القديم.
عند عودته إلى شقته بالمدينة، بدأ يلاحظ أن العين اليسرى ذات الشق الطولي لا ترى العالم كما تراه العين اليمنى. حين ينظر بها وحدها، يرى الأشياء بتفاصيل أقدم بعقود: طلاء جدران الغرفة يظهر متأكلاً، وأثاث البيت الشاغر يبدو وكأنه مهجور منذ سنوات، بل والأهم من ذلك أنه صار يرى أطيافاً لصور أشخاص يقفون في زوايا الغرف المغلقة، يلتفتون نحوه كلما رمش بعينه.
في اليوم الثالث، تدهورت حالة خالد النفسية واستعان بصديق قديم يُدعى “عمر”، أخصائي ترميم مخطوطات وآثار بالهيئة العامة. عندما فحص عمر شق العين اليسرى بآلات القياس المكبرة، ذهله أن الشق ليس جرحاً بالقرنية، بل هو نمط تشكلي أشبه بنقش الدقيقة الذي يوضع على الأقفال الأثرية القديمة.
قرر الاثنان البحث في سجلات القرية السرية بدار الوثائق القومية، ليثبت التاريخ حقيقة صادمة:
“إدريس بن نوح” لم يكن مجنوناً أو مشعوذاً، بل كان عالم معادن وميكانيكا عمل في سبعينيات القرن الماضي ضمن فريق تنقيب سري. اكتشف الفريق أسفل الجبل مادة معدنية سوداء نادر وجودها، تتمتع بقدرة على عكس “الزمن النفسي” للمكان واستيعاب الوعي البشري. وحين أدرك إدريس خطورة تمدد هذه المادة واستحواذها على عقول سكان المنطقة، قام ببناء السرداب المصفح بالحديد وحبس الكيان والدفتر داخل الخزانة، مضحياً بعائلته لتكون حارسة للقفل.
عندما كسر خالد القفل، لم يحرر طائماً أو روحاً شريرة، بل فتح ثغرة في “المعامل الزمني” للمادة السوداء، وانتقل التشفير إلى عينيه مباشرة، ليصبح هو المفتاح الحي الجديد للمرآة.
مع انتصاف الليل، انقطع التيار الكهربائي عن شقة خالد بالكامل.
سُمع صوت حك الأظافر المنتظم مجدداً، لكن هذه المرة لم يكن يخرج من الجدران أو السرداب… كان ينبعث من داخل رأسه مباشرة.
في الظلام، فتح خالد عينيه ليجد أن العين اليسرى أصبحت تضيء بوهج رمادي ضئيل، وتعكس على جدار الغرفة شريطاً سينمائياً متعدداً للغرفة نفسها في أزمنة مختلفة. ورأى شخصاً يقف أمامه تماماً، يمد يده ببطء نحو وجهه وهو يهمس: “القفل لا يمكن أن يبقي مفتوحاً.. إما أن تعود لتغلقه بنفسك من الداخل، أو سنخرج جميعاً من عينك إلى هذا العالم.”
أدرك خالد أنه لا يملك ترف الهرب. الرعب الحقيقي ليس في المكان، بل بات يسير داخل جسده.
ركب خالد سيارته برفقة عمر متوجهين في جنح الليل إلى “وادي الركاب”. عند وصولهما للبيت المهجور، كانت القرية بأكملها غارقة في صمت مريب، والأشجار المحيطة بالبيت تبدو كأنها انحنت نجو السقف الطيني.
هبط خالد إلى السرداب المظلم وحده حاملين العتلة ومرآة نحاسية حديثة أعدها عمر كأداة يعكس بها شعاع الطاقة من عينه. هناك أمام الخزانة المقفلة، وقفت الأطياف التي رآها في عينيه صفاً واحداً: عائلة إدريس بن نوح بالكامل، عيونهم مفرغة تماماً وأيديهم متجهة نحو العلبة.
وقف خالد أمام الخزانة المكسورة، ووجه انعكاس عينه اليسرى عبر المرآة النحاسية نحو قلب القفل الصدئ. اندلعت شرارة بيضاء حادة أضاءت السرداب كالشمس، وارتفع صوت صراخ متعدد اللغات والأنماد من داخل الجدران الحديدية، وكأن الزمان يعود للوراء بسرعة هائلة.
مع انطفاء الضوء، سقط خالد على الأرض مغشياً عليه.
في الصباح التالي، استيقظ خالد في المستشفى. كان عمر يقف بجانبه وعلامات الذهول على وجهه.
فحص الطبيب عين خالد اليسرى، وأكد أن عينيه سليمتان تماماً والشق الطولي اختفى دون أدنى أثر.
تنفس خالد الصعداء، واعتقد أن الكابوس قد انتهى إلى الأبد.
لكن بعد أسبوع، وأثناء جلوسه في مقهى هادئ بوسط المدينة، مر طفل صغير بجوار طاولته، وقف فجأة، ونظر مستقيماً في عين خالد اليمنى -السليمة- وقال بصوت جاف لا يناسب سنه:
“المرآة لم تنكسر يا خالد.. نحن فقط غيرنا الزاوية.”
سقطت استكانة الشاي من يد خالد لتتحطم على الأرض. التفت مذعوراً نحو الطفل، لكن الطفل واصل مشيه ببرود ودخل بين زحام الشارع وكأن شيئاً لم يكن، بينما غابت أمه في متجر قريب دون أن تلاحظ ما حدث.
ركض خالد إلى شقته وهو يرتجف. أغلق الأبواب والنوافذ بالمزالج الحديدية، وتوجه مباشرة إلى مرآة الحمام. نظر إلى عينيه بتمحيص شديد تحت الضوء الساطع: العين اليسرى—التي كانت تحمل الشق—سليمة تماماً، لكن عندما دقق في حدقة العين اليمنى، وجد خطاً أسود دقيقاً للغاية يبدأ من المنتصف وينحني لي شكل دائرة كاملة تحيط بالبؤبؤ، وكأنها إطار مرآة مجهري.
لم تعد الرؤية تتغير في الظلام، بل أصبحت الظلال نفسها في النهار هي التي تتحرك.
اتصل خالد فوراً بـ “عمر”، لكن هاتف عمر كان مغلقاً. بعد ساعات من المحاولات الفاشلة، قرر الذهاب إلى بيته. عندما وصل، وجد باب الشقة مفتوحاً بضعة سنتيمترات. دخل بحذر، ليرى عمر جالساً على مكتبه في الظلام، وظهره للمدخل، وأمامه عشرات الأوراق والأحبار القديمة.
قال خالد بصوت متقطع: “عمر.. لم تنجح الخطة، الأمر انتقل إلى عيني الأخرى!”
لم يتحرك عمر، لكنه رد بصوت هادئ وميكانيكي، صوت يشبه حفيف الأوراق اليابسة: “نعلم يا خالد.. عمر لم يعد هنا. لقد أخطأت عندما استخدمت مرآة نحاسية لنقل الشعاع؛ النحاس لا يحبس المادة، النحاس يوصلها.”
التفت عمر ببطء. كانت عيناه الاثنتان قد تحولتا بالكامل إلى اللون الرمادي الصافي بدون حدقات، وعلى سطحيهما تنعكس صور للبيت القديم في “وادي الركاب”، لكن من زوايا مختلفة!
أدرك خالد الفخ: الكيان لم يكن محبوساً في السرداب فقط، بل كان ينتظر جسداً يمتلك معارف تاريخية وتقنية كعمر ليعيد تشكيل السرداب على مستوى أكبر.
قاطعه “عمر” قائلاً: “المادة السوداء تحت الجبل ليست مجرد معدن، إنها نسيج زمني يمتص أفكار من يلمسه. إدريس بن نوح لم يضحِ بعائلته ليغلق السرداب، بل أغلق السرداب لأن عائلته أصبحت هي الكيان نفسه. والآن، أنت وعمر أصبحتما الطرفين المكتملين للقفل.”
فجأة، بدأت جدران شقة عمر تتشقق وتتساقط طبقات الطلاء منها، لتظهر من خلفها اللواح الحديدية الصدئة نفسها ذات المسامير الضخمة التي كانت في سرداب بيت ابن نوح! الشقة كأنها تبتلعها المساحة المكانية للسرداب وتتحول إليه بالكامل.
أخرج خالد من جيبه العتلة الحديدية الصغيرة التي لم تفارقه، وبدلاً من أن يهاجم عمر، أدرك الشفرة الأخيرة: إن كانت المادة تعكس “الزمن النفسي” وتتغذى على الخوف والوعي، فإن الوسيلة الوحيدة لإيقافها ليست العنف ولا الحبس… بل قطع الموصل.
بدون تردد، ضرب خالد بيده القوية المرآة الزجاجية الضخمة المعلقة على جدار مكتب عمر. مع تهشم الزجاج إلى آلاف الشظايا، التقط أكبر شظية حادة، ووجهها نحو انعكاس عين عمر الرمادية في الشظية نفسها، ثم غرسها بقوة في قلب شاشة الحاسوب المحمول المفتوحة أمامهما، والتي كانت تعرض وثائق التنقيب القديمة.
حدثت انقباطة مكانيّة مرعبة؛ وكأن الغرفة شُفطت إلى الداخل في نقطة واحدة. انطلقت صرخة تردد صداها في أرجاء المبنى، وانهارت اللواح الحديدية الجدارية وتحولت إلى غبار أسود ناعم يسقط على الأرض.
سقط عمر على الأرض فاقداً للوعي، وعادت عيناه إلى طبيعتهما البنية.
بعد شهور من الحادثة، انتقل خالد للعيش في مدينة ساحلية بعيدة، مقتطعاً كل علاقاته بالماضي وبأعمال المساحة.
في أحد الأيام، وأثناء سيره على شاطئ البحر تحت أشعة الشمس الساطعة، وقف ليتأمل مياه البحر الزرقاء. نظر إلى انعكاس وجهه على سطح الماء الرائق… كانت عينائه طبيعيتين تماماً.
تنفس الصعداء وأغمض عينيه ليستمتع بهواء البحر، لكن عندما فتحهما مجدداً، لاحظ أن أمواج البحر نفسها قد توقفت عن الحركة تماماً في الهواء، والمياه لم تعد تعكس السماء الزرقاء… بل كانت تعكس سقف سرداب طيني مظلم، وأصوات أظافر تحك الحديد تصدر هذه المرة من القاع.
تجمّد خالد في مكانه، وصوت رغوة الموج المتوقفة وسط الهواء يسري في جسده كتيار ثلجي. لم يعُد يشعر ببرودة الماء عند قدميه، بل بدفء طين رطب يمتص قدميه إلى الأسفل ببطء.
لتفادي الغرق في الفراغ، رفع خالد رأسه نحو السماء ليستغيث، لكن السماء المفتوحة لم تكن هناك؛ عوضاً عنها، كان هناك سقف خشبي متهالك يتساقط منه الغبار، وفانوس زيت قديم يتدلى خيطه من المنتصف ويتحرك ببطء شديد رغم غياب الهواء.
لقد سُحب بالكامل إلى داخل المرآة.
المكان لم يكن السرداب الذي عرفه، بل كان النسخة الأصلية منه عام 1984. على جانب الغرفة المظلمة، كان يجلس رجل مسن ونحيل أمام طاولة خشبية، يكتب بتركيز شديد تحت ضوء الفانوس. كان هذا “إدريس بن نوح” بشحمه ولحمه قبل اختفائه العقود الماضية.
لم يلتفت إدريس، لكنه قال بصوت هادئ خالي من النبرة البشرية:
“أبطأت الخروج أربعين سنة يا خالد.. المادة لا تبتلع الأجسام، المادة تجمع العقول لتصنع زمناً موازياً. كل من حاول إغلاق القفل صار جزءاً من جدرانه.”
أشار إدريس بيده نحو الزوايا. رأى خالد أشخاصاً يقفون في ظلال السرداب، متراصين كالأعمدة؛ من بينهم عائلة إدريس، وعمال التنقيب، وحراساً قدامى، وجميعهم ينظرون إلى الفراغ بأعين رمادية صافية.
قال خالد وهو يحاول التحرك لكن أطرافه أصبحت ثقيلة كأنها من حديد:
“إذا كنت قد سُحبت إلى الداخل.. فمن المتبقي في العالم الخارجي؟”
ابتسم إدريس ابتسامة باهتة وأشار إلى سطح المرآة المعلقة على الجدار مقابلهم.
نظر خالد إلى المرآة، فرأى العالم الخارجي من خلالها: رأى الشاطئ، ورأى الناس يسيرون بحرية، ورأى جسده هو يبتعد عن البحر بخطوات ثابته، يرتدي نظارة شمسية داكنة، ويستقل حافلة متجهة إلى وسط المدينة!
لقد نجح الكيان في إتمام العملية؛ لم يحبس خالد في العالم الحقيقي، بل طرد وعيه وإرادته إلى داخل نسيج المادة السوداء، وأخذ جسده الفيزيائي ليتحرك به بين الناس في العالم الخارجي، يبتسم، ويتكلم، ويوسع دائرة الضحايا دون أن يشك فيه أحد.
في السرداب الاحتجازي، بدأ جلد خالد يتصلب وتتحول أطرافه ببطء إلى اللون الأسود المعدني، ليأخذ مكانه كعمود جديد يحمل سقف المكان.
وفي تلك اللحظة الأخيرة، قبل أن يفقد قدرته على النطق وتتحول عيناه إلى الزجاج الرمادي الصافي، سمع صوت جسده في العالم الخارجي يضحك ببرود وهو يصافح أحداً في الحافلة ويقول له:
“الجو جميل اليوم.. دعني أعرفك بنفسي، اسمي خالد.”
دخل الكيان الذي يرتدي جسد خالد إلى عمق المدينة. لم يكن يتصرف كوحش، بل كعقل طفيلي فارق النظير؛ يتودد للأقارب، يبتسم للغرباء في حافلات النقل العام، ويصافح العشرات يومياً. مع كل مصافحة، كانت عينه اليمنى ترمش برفة لا تلاحظها العين المجردة، تنقل خلالها شفرة المادة السوداء إلى أوردة الضحايا الجدد.
في المقابل، داخل السرداب المحبوس خلف الزجاج، لم يكن خالد يتآكل، بل كان يتداخل وعيه مع وعي كل من سُحبوا قبله. هناك، في العتمة المطلقة حيث لا ينبض زمن، التقت أفكاره بوعي “إدريس بن نوح” الحقيقي، وليس الطيف المادي الذي واجهه.
قال إدريس في صمت العقول المتصلة: “المادة ليست حية بحد ذاتها.. إنها تعكس وتضخم الرغبة الأولى لمن يفتحها. أنا فتحتها بخوف فشكلت سديمي من الخوف، وأنت فتحتها برغبة في الحقيقة، وهذا هو خطؤها الوحيد.”
أدرك خالد الشفرة: الكيان الذي يسير بجسده في الخارج يعتمد على الإشارات الحيوية لجسد خالد الأصلي ليبقى متماسكاً في العالم الفيزيائي. إن توقفت الدورة الدموية أو انقطع وعيه المترسب في السرداب، سينهار الهيكل الخارجي كالزجاج المهشم.
استجمع خالد كل ذرة إرادة متبقية في وعيه المتصل بالشبكة الزمنية للمادة. لم يحاول الهرب، ولم يحاول كسر الجدران… بل قرر أن يمارس السكتة الفكرية.
بدأ يطرد كل ذكريات حياته، اسمه، صور شقيقته، خائنه، وشعوره بالخوف. أفرغ عقله تماماً ليرسل موجة سكون مطلقة عبر الرابط الزمني بينه وبين جسده المسروق.
في العالم الخارجي، وفي منتصف ميدان مكتظ بالمارة، توقف الجسد الذي يحمل اسم “خالد” فجأة عن الحركة.
تجمّدت حدقتاه، وبدأت بشرته تفرز مادة زيتية سوداء ذات رائحة كبريتية فواحة. حاول الكيان الذي يسكنه أن يرفع يده ليقبض على عنق أقرب سير إنساني، لكن أطرافه لم تعد تستجيب؛ لأن “المُحرّك الروحي” في السرداب قد أطفأ المحرك بنفسه.
تشققت عينا الجسد في الشارع أمام ذهول مئات الناس، وانبعث منه صوت هسيس عالٍ يشبه انكماش البخار الضخم، قبل أن ينهار الجسد كاملاً وتحول خلال ثوانٍ معدودة إلى كومة من الغبار الأسود الناعم الذي ذرته الرياح في أزقة الميدان.
وفي تلك اللحظة بالذات، داخل السرداب المظلم، انكسرت كل المرايا دفعة واحدة.
تلاشى السرداب والطين والجدران الحديدية كما يتلاشى الحلم. استيقظ خالد فجأة، متمدداً على رمل الشاطئ الساحلي، والموج الحقيقي يلامس قدميه ويثير رذاذه المالح على وجهه، بينما كانت السماء صافية والشمس في منتصف النهار.
جلس خالد وهو يتنفس بصعوبة، يمسح الماء عن وجهه. نظر إلى يديه، ثم إلى انعكاسه في مياه البحر.
كان كل شيء طبيعياً، لكن عندما وضع يده على صدره لمسافة قريبة من قلبه، لم يستمع بنبضات طبيعية… بل سمع صوتاً منتظماً ودقيقاً كدقات ساعة جدارية قديمة، وصوت حك خفيف جداً يهمس من تحت عظامه:
“شكراً لأنك فرغت المكان لنسكنه نحن بالتساوي.”
ساد الصمت الشاطئ، وتوقفت الرياح فجأة وكأن الهواء أُفرغ من أوكسجينه. أدرك خالد الكارثة في تلك اللحظة: تفريغ عقله لم يقتل الكيان، بل هدم الجدار العازل الأخير بين الوعي الإنساني والمادة السوداء، ليتحول جسده كله إلى “المرآة الكبرى”.
لم يعد بحاجة لدخول سرداب أو النظر في زجاج؛ فالكيان لم يعد يجاوره، بل أصبح يتنفس من خلال رئتيه، وينظر من خلال عينيه إلى العالم وكأنه شاشة عرض كبيرة.
جلس خالد على الرمل متحجراً، يحاول ألا يتحرك أو يفكر. لكنه وهو ينظر للأفق، لاحظ شيئاً جعل أطرافه تتجمد: المارة على كورنيش البحر لم يكونوا يسيرون بشكل طبيعي. كانوا يتوقفون جميعاً في نفس اللحظة، يلتفتون برؤوسهم ببطء شديد نحوه، وعلى وجوههم جميعاً—رجالك ونقائك وأطفالك—نفس الابتسامة الباردة والمشوهة.
صوت مئات الحناجر المترادفة انطلق من حوالم المارة في الشارع، ليتردد في أذنه بنبرة واحدة متجانسة:
“العالم الخارجي جموده هائل يا خالد.. شكراً لأنك فتحت البوابة للجميع.”
أدرك خالد أن المادة لم تعد تبحث عن أفراد، بل بدأت تلتهم النسيج الواقعي للمدينة بأكملها. البقع السوداء بدأت تتفشى في مياه البحر الزرقاء، والموج الذي كان يضرب الشاطئ تحول إلى طبقات صلبة من الزجاج الأسود المصقول الذي يعكس صوراً لأحداث لم تحدث بعد.
في محاولة أخيرة ويائسة للسيطرة، التقط خالد قطعة حادة من حجر الشاطئ، ورفع يده نحو صدره ليغرسها في قلب المكان الذي ينبعث منه صوت الحك، متقبلاً إنهاء حياته ليوقف العدوى الإنسانية.
لكن قبل أن تصل يده لصدره، تتصلبت عضلات ذراعه تماماً في الهواء. لم تعد أطرافه ملكه.
انفتحت شفتاه رغماً عنه، وانبعث منه صوته هو، لكن بنبرة ثابتة ومجردة من أي مشاعر إنسانية وهو يقول للرحاب الممتد أمامه:
“الانعكاس اكتمل.. والآن تبدأ القصة من جديد.”
أغلق خالد عينيه إلى الأبد من الداخل، بينما وقف جسده على الشاطئ، نزل النظارة الشمسية ببطء، وابتسم للموج الميت، ثم التفت يميناً وبدأ يسير بنشاط ونظام نحو الميدان الرئيسي للمدينة.
وصل الجسد الذي يرتدي اسم “خالد” إلى قلب الميدان الرئيسي. كانت أنوار السيارات ساطعة، وأصوات الباعة والمارة تملأ المكان بالصخب، لكن بالنسبة للكيان، لم يكن هذا كله سوى مجرد مسرح زجاجي كبير ينتظر الإشارة.
توقف خالد في منتصف الميدان. نزل نظارته الشمسية الداكنة ببطء، ونظر إلى البرج المضيء الذي يحمل ساعة المدينة الكبرى.
في تلك اللحظة، رفعت عينيه إلى الساعة، فتوقفت العقارب في العقرب الكبير والصغير عند منتصف الليل تماماً “00:00″، رغم أن الوقت كان ظهراً. انقطع التيار الكهربائي عن الميدان بأكمله في كسر من الثانية، وتوقفت محركات السيارات في مكانها، وساد صمت مطبق خنق أصوات الآلاف.
رفع الكيان يده اليمنى في الهواء، وأومأ بأصابعه حركة دائرية خفيفة.
فجأة، تحولت واجهات المحلات الزجاجية، ونوافذ السيارات، وشاشات الهواتف الذكية في أيدي الناس إلى اللون الأسود الصافي… أصبحت كلها مرايا مصقولة ذات لون رمادي.
وفي وقت واحد، أنزل المارة أيديهم، والتفتوا جميعاً نحو المنتصف. لم تعد عيونهم تحمل حدقات بشرية، بل أصبحت تعكس صورة خالد وهو يقف في السرداب الطيني القديم عام 1984، وكأن المكان والزمان قد أُنيطا بعقدة واحدة لا يمكن حلها.
ابتسم الكيان ببطء، واستمر في سيره الهادئ عبر الميدان المظلم والمجمد في الزمن، يتخطى الأجساد الواقفة كالتماثيل. ومع كل خطوة يخطوها، كانت بقعة الظل الأسود تحت قدميه تتسع، تلتهم الأسفلت والمباني، وتحول المدينة بأكملها إلى مجسم زجاجي كبير، ينظر إليه من الخارج شخاص لا نراهم… ينتظرون دورهم للدخول.
شارك

تعليقات